الهيئة الاكاديمية والموظفين

مركز أبو جهاد يدعو لمواصلة الفعاليات وتكثيفها لنصرة الأسرى…

عدد المشاهدات: 14

مركز أبو جهاد يدعو لمواصلة الفعاليات وتكثيفها لنصرة الأسرى…

الأسير المحرر المناضل حلمي الأعرج يتحدث عن أهم محطات تجربته النضالية والاعتقالية

البداية

حلمي محمد عبد أعرج من مواليد 24/11/1958م في بلدة عنبتا قضاء طولكرم، متزوج وله ثلاث بنات ويحمل درجة الماجستير في العلوم السياسية، التحقت حلمي الأعرج بالحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة مبكرة من عمره عندما كان طالباً في مدرسة ذكور عنبتا الثانوية، وكان عمري ستة عشر عاماً، يتابع حلمي حديثه لمركز أبو جهاد، حين بدأت مشاركاتي في المظاهرات الطلابية والجماهيرية ومختلف الفعاليات المقاومة للمحتل الإسرائيلي. وفي العام 1976 م التحقت بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، واعتقلت للمرة الأولى في شهر أيار 1976 م لمدة خمسة أيام أمضيتها في غرف التحقيق في معتقل طولكرم، وجهت لي تهمة المشاركة في المظاهرات الطلابية والجماهيرية واستخدم معي الشبح والضرب خلال التحقيق. ثم اعتقلت مرة ثانية وأمضيت خمسة عشر يوماً في زنازين التحقيق في سجن طولكرم تعرضت خلالها لتحقيق قاس من قبل ضابط مخابرات اسمه ( أبو علي ميخا )، علمت لاحقا عندما نزلت إلى غرف المعتقل والتقيت هناك بأسرى حكم عليهم بالإعتقال المؤبد وأطلق سراحهم في صفقة تبادل الأسرى ( 1985 ) أن هذا الضابط هو الذي حقق معهم ومن الذين التقيتهم الأخوة عطية جوابرة وباسم كنج وأبو خليل العراقي ، لم أعترف بأي من التهم الموجهة لي، ورغم مواجهتي من قبل ضباط التحقيق باعترافات جاهزة علي من قبل آخرين إلا إن ذلك لم يؤثر في موقفي وكانت نتيجة هذا الصمود هي الإفراج عني وعن زملائي مع نهاية اليوم الخامس عشر للاعتقال.

بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة في العام 1977 م التحقت  بكلية الحقوق في جامعة دمشق، درست ثلاث سنوات متواصلة وقبل نهاية السنة الثالثة قررت العودة إلى فلسطين لزيارة الأهل والأصدقاء وكان ذلك بتاريخ 25/8/1981م.

الإعتقال الثالث:

رغم معرفتي المسبقة بوجود اعترافات علي وأن اعتقالي بمجرد عودتي للوطن أمر وارد، صممت على العودة. وكنت قد هيأت نفسي لهذا الإعتقال وذلك لأن المخابرات الإسرائيلية كانت تقدم على اعتقال غالبية شباب الأرض المحتلة الذين يعودون من دمشق وبيروت إلى الداخل الفلسطيني بالإضافة لمعرفتي بوجود اعترافات علي من قبل آخرين تم اعتقالهم، ومع هذا صممت على العودة كي لا أخسر إقامتي في الوطن بسبب الغياب المتواصل، وما شجعني أيضا التجربة التي اكتسبتها في التحقيق عند الاعتقال الأول والثاني. كما أن حالة المد الثوري التي شهدتها المنطقة والعالم وعاشتها الثورة الفلسطينية في فترة الثمانينيات من القرن الماضي كان لها تأثير على قراري بالعودة ومواجهة الاعتقال دون أن ألتفت لأية خسارة قد أتعرض لها بما في ذلك الاعتقال أو عدم العودة للجامعة.

في طريقي للعودة وعند وصولي إلى جسر الملك حسين قادماً من دمشق، تم اعتقالي ومن ثم إقتيادي إلى مقر مخابرات جنين، حيث بوشر بالتحقيق معي، وجهت لي تهمة الانتماء للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

بعد إنتهاء التحقيق معي تم تحويلي إلى قسم الموقوفين في سجن جنين، وبعد مرور ثلاثة أشهر على اعتقالي أصدرت المحكمة العسكرية الإسرائيلية في نابلس حكماً بالإعتقال الفعلي لمدة عام ونصف أمضيتها في نفس المعتقل. وخلال هذا الاعتقال راكمت تجربة غنية ومفيدة ساهمت في رفع مستواي الثقافي والسياسي والتنظيمي والاعتقالي. وهناك تعرفت بالمناضل والشاعر المعروف الشهيد (محمد أبو لبن) الذي نظم قصيدة عسقلان الشهيرة والتي اعتمدت كنشيد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من قبل وزارة الأسرى في العام 2008م.

يومياتي داخل الأسر:

في معتقل جنين كنت أنهض من نومي باكراً لكسب أطول وقت ممكن بصحبة الكتب والكراسات التنظيمية والإعتقالية، وقد برزت لدي إهتمامات خاصة بالأدب والسياسة والفلسفة والإقتصاد. كتبت العديد من المقالات السياسية والثقافية التي كنت أنشرها في مجلة (الحرية) وهي مجلة خاصة بالجبهة الديمقراطية، وكذلك في المجلة الثقافية الإعتقالية، وقد كنت عضواً في اللجنة الثقافية العامة التي كانت تقوم بإصدار مجلة إعتقالية عامة يكتب فيها الأسرى مقالاتهم وتحليلاتهم السياسية، وكانت توزع بعد نسخها على جميع الغرف لتقرأ وتناقش خاصة التحليلات السياسية والمواضيع الثقافية الهامة منها، في جلسات موسعة بمشاركة جميع الأسرى.

أسهمت تلك التجربة في صقل شخصيتي وعززت في عمق انتمائي للجبهة والثورة وزادت من  إصراري على مواصلة النضال حتى تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، وترسخت قناعتي  بأن الإنسان بإمكانه قهر المعتقل والإنتصار على السجان بإرادته وتصميمه وأنه قادر بوعيه وقناعته أن يحول سجنه إلى مدرسة ثورية يستمد منها الإستمرارية والصمود ويسلح الآخرين معه بالإرادة والتحدي والمثابرة والانتماء، ويحارب اليأس والإحباط بالأمل والتفاؤل والثقة بالمستقبل وبحتمية الانتصار.

وخلال فترة اعتقالي في معتقل جنين تعرفت إلى عشرات بل مئات الكوادر والمناضلين أذكر منهم الإخوة حسن عارف الخطيب وأبو صالح زكارنه وسعد نمر وعبد الرحيم المعاني وسليم خله وعدنان الصباح وكامل جبر والمناضل العربي السوري شكيب أبو جبل وابنه يوسف وفندي أبو جبل ويحيى جلغوم وكمال وخالد شحرور وعصمت الشولي وعبد الله الخطيب ومحمد أبو وعر.

مرت أيام الإعتقال سهله وخفيفة الظل على نفسي بسبب إنشغالي الدائم والمتواصل بقراءة الكتب والإنخراط الكامل في الحياة التنظيمية والإعتقالية، كما كانت لي أيضا إهتمامات رياضية، وبكلمات قليلة يمكنني القول أنني استفدت كثيرا من فترة الاعتقال هذه لدرجة كنت أستيقظ يوميا عند الساعة الثالثة فجرا للاستفادة من الوقت ولكي أستطيع انجاز خطة المطالعة وبرنامجي الثقافي وبقيت على هذا المنوال حتى لحظة الافراج عني.

وفور تحرري من الأسر في يوم 29/9/1982م، منعت من السفر ولم أستطع العودة إلى جامعة دمشق لمواصلة دراستي في كلية الحقوق ورفضت عرضا بالتوقيع على عدم العودة  للوطن قبل مرور ثلاث سنوات مقابل السماح لي بالسفر واعتبرت ذلك مساومة غير مقبولة وقبلت بخسارتي لسنوات الدراسة في جامعة دمشق والالتحاق بجامعة بيرزيت من جديد رغم ضياع سنة دراسية أخرى بانتظار قبولي في الجامعة، وجدير بالذكر أن عملية منعي من السفر استمرت حتى عام 2007 ثم أعيد منعي من السفر مجددا قبل عامين وما زال مستمرا حتى اللحظة.

الالتحاق بجامعة بيرزيت والاعتقال الرابع:

في صيف العام 1983م التحقت بجامعة بيرزيت وبدأت مشواري الدراسي الجديد في كلية الآداب في الجامعة من نقطة الصفر، وبعد مرور شهرين على دوامي في الفصل الدراسي الأول، وبالتحديد بتاريخ 1/12/1983 م استدعيت لمقابلة المخابرات في طولكرم وهناك تم اعتقالي فورا وتحويلي للتحقيق حيث أمضيت في زنازين التحقيق (73) يوماً تنقلت خلالها على مراكز التحقيق في جنين وأريحا ونابلس والمسكوبية.

وأثناء التحقيق تعرضت لكل أنواع التعذيب الجسدي والنفسي وكان التحقيق ينصب عل عضويتي في الجبهة الديمقراطية ومسؤوليتي في الجهاز العسكري للجبهة في الأراضي المحتلة، رفضت هذه التهم الموجهة لي وكل التهم الأخرى جملة وتفصيلا رغم الشبح والتعذيب الذي استمر على مدار الساعة ليلا ونهارا في زنازين التحقيق وفي ساحات المسكوبية تحت المطر والبرد الشديد (وكيس الشبح) مثبت فوق رأسي ويداي تطوقهما القيود الحديدية طيلة الوقت وكل ما رافق ذلك من ضرب ودوشات المياه الباردة في منتصف الليل وكل أساليب التعذيب الأخرى التي استمرت 73 يوما متواصلا باستثناء أيام السبت حيث كان الشبح يتواصل من صباح الأحد ولغاية عصر الجمعة من كل أسبوع، مما دفع ببعض الجنود العاملين لدى المخابرات في مراكز التحقيق للاستغراب وأحيانا الرغبة بتقديم بعض المساعدة، فالجندي ( باروخ ) القادم من الاتحاد السوفييتي سابقا تعمد عدم وضع كيس الشبح على رأسي أثناء الشبح وعدم وضع الكلبشات على يدي خلف ظهري، وفوجيء عندما طلبت منه وضع الكيس على رأسي بسبب البرد القارص، كان هذا الموقف في مركز تحقيق جنين حيث لاحظ وجودي في الشبح على مدار الأسبوع أثناء دوامه ليومين كاملين وأثناء عودته من إجازته التي تستمر أيضا يومين كاملين.

كذلك موقف ضابط الأسرى في معتقل جنين المعروف بنزعته الصهيونية واسمه ( آشر)  عندما رآني في اليوم السادس والستين للاعتقال والتحقيق معي عند إعادتي من معتقل المسكوبية وأريحا إلى معتقل جنين في حوالي الساعة العاشرة والنصف ليلا بتاريخ 4/2/1984 على ما أذكر وسألني أمام الجنود وقبل إدخالي للزنازين، إذا كنت بحاجة إلى طعام أو شراب أو سجائر. أدركت سبب موقفه وهو قسوة وطول فترة التحقيق التي أتعرض لها، دون اعترافي بشيء، فحاول أن يقول شيئا، وقد عبر عن موقفه هذا عندما أدخلني هو والجنود إلى الزنازين حيث الشباب الذين بانتظار معرفة ما جرى معي في هذه الجولة من التحقيق والتي كانوا يترقبون نتائجها وكأنها معركتهم لأن الكثير منهم قال أمامي أنه يريد أن يسحب اعترافه الذي أدلى به وينكر التهم الموجهة له. طلب الشباب مني أن أطلب لهم ولعه من آشر، طلبت لهم الولعة، رغم أنني لم أطلب كل هذه المدة أي طلب من أي كان وكأنني موجود في التحقيق لوحدي ولا يوجد أحد معي سوى جدران المعتقل، فقام آشر بإعطائهم الولعة وفوقها سيجارة رغم أنهم لم يطلبوا سجائر. كان معي في الزنازين في هذه اللحظة الرفاق أبو ماجد ضرصية ومحمد سلامة من مخيم طولكرم، والرفيق محمد بداد من قباطية، والرفيق سعيد خضر من قلقيلية، والأخ علان علان من ذنابة وكان طالبا في جامعة بيرزيت.  

وفي اليوم السادس والخمسين من أيام التحقيق مثلت أمام المحكمة العسكرية في جنين بحضور المحامي جواد بولص، وبعد المداولات مع المحكمة طالب بالاكتفاء بفترة التحقيق والافراج عني فورا لأنني كما قال للقاضي لو كنت جبلا بعد هذا الاعتقال والتعذيب لاعترفت. وقال لي الاستاذ جواد أنني أمام خيارين: فإما أن يطلب من المحكمة الإفراج عني بكفالة مالية، وإما أن يستمر التحقيق معي لليوم الثالث والستين وهو تاريخ انتهاء التحقيق، وعندها ستفرج عني المحكمة دون تأخير، فكان ردي وعلى مسمع من المحكمة بأنني أختار البقاء في التحقيق وإنهاء الفترة المتبقية لي من فترة التمديد لقناعتي أن المحكمة سترفض الافراج عني بالكفالة ولأن موقفي ثابت لن يتغير،  واشترطت على المحامي أن يحضر في هذا التاريخ لضمان الافراج لأنني لا أثق في هذه المحكمة. فكان رد بولص أن المحقق هو من سيتصل به ويخبره بالإفراج عني.

وفي اليوم الثاني والستين أي قبل انتهاء فترة التمديد بيوم واحد وبدلا من أن يفرج عني تم تكبيلي بالكلبشات وأخذي على وجه السرعة في دورية عسكرية إلى معتقل نابلس ثم إلى المحكمة العسكرية حيث تم عرضي على قاضي عسكري في حوالي الساعة السادسة مساء وقدرت أنه قد تم إحضار القاضي للمحكمة خصيصا من أجل تمديد اعتقالي، وأثناء وقوفي أمام القاضي قال لي: إن ممثل المخابرات يطلب تمديدك لمدة شهر فهل لديك أية أقوال؟ قلت له: إنني أستغرب وقوفي أمامك لأنه حسب قرار محكمة جنين يجب أن يفرج عني. صمت لدقيقة وقال: إن قرار قاضي جنين غير ملزم لقاضي نابلس ثم إن ملفك غير موجود أمامي. واكتفى بتمديدي عشرة أيام. وتمت إعادتي إلى زنازين معتقل نابلس، وبعد مرور أقل من ساعة تم نقلي إلى المسكوبية، وصلت إلى هناك في حوالي الساعة التاسعة ليلا وعلى بوابة المعتقل كان عدد من الدوريات العسكرية بانتظاري وعلى الفور تم وضعي وأنا معصوب العينين ومقيد اليدين والرجلين في أرضية الدورية مع معتقل آخر.  

انطلقت الدوريات العسكرية من أمام المسكوبية، وبعد ما يقارب الساعة على تحركها شعرت بارتفاع في درجات الحرارة وبطنين يضرب طبلة أذني، خمنت حينها أننا في منطقة الأغوار، بعد أن توقفت السيارة العسكرية أنزلونا منها وكان تقديري في محلة، فنحن نقف الآن في واحد من معسكرات الجيش الإسرائيلي في أريحا، وضعونا في غرفة صغيرة مفتوحة أرضيتها مفروشة بالكرتون ولا يوجد بها بطانيات، وهناك أخبرني المعتقل الذي معي أنه قد تم إبلاغه بقرار الابعاد، قلت له أنني لم أبلغ بهذا القرار وإذا أبلغت فسوف أرفض التنفيذ حتى لو تعرضت للموت لأنني لم أخسر دراستي الجامعية وسنوات سجني وكل هذه الفترة الطويلة من التحقيق والتعذيب ليتم بعدها إبعادي، تفاجأ من ردة فعلي.  ومع نهاية اليوم الثالث أعادونا إلى معتقل المسكوبية، وانتظرت في ساحة الشبح لعدة ساعات ومن ثم تم نقلي في دورية عسكرية وأنا معصوب العينين ومقيد اليدين والرجلين وقد وضعوني في أرضية الدورية، كانت الطريق طويلة خلال السفر توقعت أننا في الطريق إلى حيفا بسبب طول المسافة وضوء الشاحنات وصوتها، كان هذا في اليوم السادس والستين من أيام الإعتقال والتحقيق.

توقفت الدورية ونزلت منها فوجدت نفسي في معتقل جنين حيث كانت الساعة تشير إلى حوالي  العاشرة والنصف ليلا.

التحرر من زنازين التحقيق:

بعد مرور عدة أيام على وجودي في زنازين تحقيق مخابرات جنين، وتحديداً في اليوم الثالث والسبعين تم إستدعائي من قبل ضابط المخابرات وأخذ مني بيانات عن الحالة الاجتماعية وبعد الانتهاء من ذلك تم إعادتي إلى الزنزانة، عندئذ أدركت أنني على وشك الافراج، وبعد عدة ساعات حضر أحد السجانين إلى الزنزانة وأبلغني بقرار الإفراج، كانت هذه اللحظة هي الأجمل والأهم في حياتي حيث الانتصار على الاحتلال وجلاديه بعد معركة طويلة زمنيا وقاسية فعليا تعرضت خلالها للتعذيب المحرم دوليا، واجهت هذه الأساليب بالارادة والثقة المطلقة بشعبي وعدالة قضيته وعدت إلى أهلي وبلدي وجامعتي منتصرا، ولهذا ما زلت أحفظ هذه التجربة بكل تفاصيلها ومعاناتها وإشراقتها عن ظهر قلب ومنها أستمد سر قوتي وانتمائي واستمراريتي في النضال والعطاء في صفوف الجبهة والشعب والثورة.

عدت إلى جامعة بيرزيت وواصلت دراستي وتخصصت في دائرة علم الاجتماع إلى أن أصبحت في السنة الرابعة حيث تعرضت للاعتقال للمرة الخامسة بتاريخ 2/11/1987 إثر وقوع انفجار قنبلة يدوية في سكني في بلدة بيرزيت حيث كان الرفيق (أحمد بني نمره) يقوم بإعدادها، وقد لحق به ضرر جسدي كبير، فقمت بنقله على الفور من مكان الانفجار إلى مشفى رام الله الحكومي رغم معارضته الشديدة لذلك وطلبه مني أن أتركه في المكان حتى يستشهد، قدرت أن إصاباته ليست قاتلة  وقابلة للعلاج وهذا ما كان فعلا حيث تعافى الرفيق بني نمرة من الاصابة التي فقد فيها كلتا يدية وإحدى عينيه وبعد أن أمضى اثنا عشر عاما في الأسر خرج وتزوج ولديه خمسة أطفال.

في اليوم التالي للانفجار، أي قبل اندلاع الانتفاضة المجيدة بأربعين يوم، تم اعتقالي وبدأ التحقيق معي في مركز مخابرات طولكرم واستمر لمدة 100 يوم وهناك دافعت عن عدالة قضيتنا وحتمية انتصارها وأن دولتنا هي فلسطين وليس الأردن كما كانوا يدعون، واجهت طواقم التحقيق وأنا مرفوع الرأس بكل ما فعلت وناضلت ولانتمائي للثورة الفلسطينية والجبهة الديمقراطية ودورها الكفاحي وسياستها الواقعية الثورية خاصة رؤيتها لحل الصراع مع الاحتلال على قاعدة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها ورؤيتها للحل النهائي والتاريخي للصراع بقيام الدولة الديمقراطية الموحدة على كامل التراب الفلسطيني التي يعيش فيها العرب واليهود في ظل مساواة حقيقية ينتفي فيها كل أنواع التمييز القومي والعرقي والديني.

الدخول إلى المعتقل:

بعد إنتهاء التحقيق، تم نقلي إلى معتقل نابلس المركزي وفيه أمضيت عاماً كاملاً بدون محاكمة، إلى أن تم عقد صفقة ما بين محاميا المجموعة عبد عسلي و ليئا تسيمل مع المدعي العام، وتقضي تلك الصفقة بالحكم على أعضاء المجموعة وهم:  أحمد بني نمرة: 8 سنوات، جمال شاهين: 8 سنوات، زيدان فاتوني: 6 سنوات،  وأنا: 4 سنوات. وعلى الرغم من رفض المجموعة للصفقة إلا إن القاضي لم يلتزم بها فضاعف الحكم علينا حيث أصبح حكم أحمد: 13 عاماً، جمال: 8 سنوات، زيدان: 10 سنوات، وأنا 8 سنوات.

بعد ذلك نقلت إلى معتقل جنيد وأمضيت فيه سنة كاملة توليت خلالها مهمة عضوية اللجنة النضالية العامة ومسؤولية منظمة الجبهة الديمقراطية والممثل النضالي لقسم (3) وكان الاخ قدورة فارس ممثلا للمعتقل.

وبسبب الحالة النضالية التي كانت تطغى على واقع معتقل جنيد وعلى خلفية تصدي الأسرى لاجراءات الادارة القمعية تم نقلي إلى معتقل نابلس القديم وأمضيت فيه بقية محكوميتي، حيث كنت ممثلاً للجبهة الديمقراطية في اللجنة النضالية ولجنة الحوار، وفيه التقيت بالعديد من الإخوة المناضلين مثل فهد أبو الحاج، عبد الناصر الصيرفي، عيسى قراقع وجبر عصفور والشهيد فتحي أبو شرخ والشهيد الرفيق نضال الواوي، في هذه الأثناء كانت الإنتفاضة الشعبية الأولى 1987م في أوجها، وكان المعتقل يشهد حالة قوية من التعبئة الوطنية والنضالية للأسرى الجدد وللمحررين من الأسر، أما اليوميات الخاصة بي فكانت موزعة كما تعودت على الجلسات والمطالعة والكتابة ومراسلة المعتقلات، والانخراط في العمل الوطني والاعتقالي بالاضافة الى الأنشطة الرياضية. في العام 1991 وعلى خلفية هذا الدور النضالي والتنظيمي داخل الأسر انتخبت لعضوية اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية.

وفي هذا السجن خضنا  إضراباً مفتوحاً عن الطعام استمر خمسة عشر يوماً بسبب سوء الأوضاع العامة فيه وانتهى بإنتصار إرادة الأسرى على السجان وتحقيق معظم مطالبهم المعيشية والحياتية، وخاض المعتقل مرة أخرى مع كافة المعتقلات إضراباً في العام 1992م أستمر لمدة ستة  عشر يوماً وكان شعاره إنهاء العزل في قسم نيتسان بالرملة وتحسين شروط الاعتقال وقد حقق الاضراب مطالبه الأساسية كافة.

قبل انتهاء فترة محكوميتي بخمسة أشهر تم نقلي إلى معتقل جنيد وهناك باشرنا التحضير لأول إضراب استراتيجي سياسي شعاره "الحرية للأسرى". كان ذلك في تموز 1995 قبيل توقيع اتفاق طابا بحوالي أسبوعين. وقد استمر الاضراب ستة عشر يوما، وقد تجلت أهميته في كونه الاضراب السياسي الأول الذي تخوضه الحركة الأسيرة من أجل حريتها، وفي توقيته حيث وضع الأسرى قضيتهم بقوة على طاولة المفاوضات عبر النضال والاضراب المفتوح عن الطعام بعد فشل اتفاقي أوسلو والقاهرة في الافراج عن القدامى وذوي الأحكام العالية منهم.

وعلى الصعيد الشخصي ارتبطت أثناء الإعتقال بزوجتي سمر التي انتظرتني ثماني سنوات وواظبت خلالها على زيارتي دون انقطاع، وبعد تحرري من الأسر تزوجنا وأنجبنا ثلاث بنات هن روان وتالا ونغم، وكان لهذا الارتباط صدى كبيراً في أوساط الحركة الأسيرة تجلت في إرادة المرأة الصلبة التي تتحدى الاحتلال واستعدادها للتضحية والانخراط في النضال الوطني الفلسطيني وعمق ارتباطها بالنضال وبالوطن وبعدالة القضية، خاصة عندما وقفت سمر على شبك الزيارة وبحضور الأسرى وعلى مسامع السجانين أثناء لبسنا للدبل وغنت بأعلى صوتها الجميل: بنرفض نحنا نموت.

الإفراج:

بتاريخ 4/5/1994 وأثناء توقيع اتفاق القاهرة تقرر الافراج عن خمسة آلاف أسير وأسيرة، كان اسمي ضمن أسماء المفرج عنهم، ولكن عندما عرض علينا الاحتلال التوقيع على وثيقة نبذ الارهاب وتأييد عملية السلام كشرط للإفراج عنا، رفضت التوقيع وبقيت في المعتقل ومعي العشرات من رفاق الجبهتين الديمقراطية والشعبية في مختلف المعتقلات، وأمضيت الفترة المتبقية لي ومدتها سنة ونصف إلى أن أفرج عني بتاريخ 10/10/1995 أي قبل انتهاء فترة محكوميتي بعشرين يوما.

بعد الافراج عدت لاستئناف دراستي  في جامعة بيرزيت حيث تخرجت عام 1996 وحصلت على شهادة البكالوريوس في علم الإجتماع بعد عشرين عاماً من محاولات الحصول على الشهادة والتحقت بعد ذلك ببرنامج الماجستير في جامعة بيرزيت وتخرجت منه في العام ( 2003 ). والآن أعمل مديراً لمركز الدفاع عن الحريات، وعضوا في لجنة الحريات الخاصة بالمصالحة، ومقرر الهيئة العليا لمتابعة لشؤون الأسرى والمحررين، وممثل الجبهة في القوى الوطنية والإسلامية في الضفة الغربية.

إن القيمة الحقيقية من سرد هذه التجربة وتوثيقها وإطلاع الآخرين عليها ليس في تسجيل بطولات وامجاد من الماضي، بل في مدى استفادة الآخرين منها ومواصلة النضال لمن عاشها وسطرها وانخرط فيها حتى تحقيق الأهداف التي من أجلها روى الشهداء بدمائهم ثرى الوطن ودفعوا حياتهم ثمنا لها، وضحى الأسرى بحريتهم من أجل حرية شعبهم واستقلاله. 

شارك المقال عبر:

نشر بحث حول الطاقة الشمسية للدكتور حسين السمامرة
د. أبو الحاج : الاضراب الفردي المفتوح عن الطعام يحرج اسرائيل ويطيح بذرائعها

آخر الأخبار

ربما يعجبك أيضا

القائمة

Al-Quds University