الهيئة الاكاديمية والموظفين

د. فهد أبو الحاج : في دراسة لمركز أبو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة…. الاسرى المعزولون … أوضاع مأساوية في ظل التصعيد اسرائيلي ضدهم

عدد المشاهدات: 19
 
لم يقتصر التصعيد الاسرائيلي خلال الاسابيع الاخيرة على جانب محدد من جوانب الحياة الفلسطينية ، بل ان السلطات الاسرائيلية باتت تنتهج تصعيدا شاملا يطال الكل الوطني ارضا وشعبا وقضية ،فالاستيطان يتواصل بوتيرة متسارعة وكذا سياسات اسرائيل لتهويد القدس عدا عن استمرار الحصار الجائر على قطاع غزة وحملات الدهم والاعتقال في الضفة الغربية وتقييد حرية التنقل ..الخ من الممارسات الاسرائيلية الى جانب المواقف السافرة المعلنة والتي اوصدت كل الابواب امام ما كان يسمى عملية السلام. وبالطبع لم تغفل اعين الاحتلال عن التصعيد ضد الحركة الوطنية الاسيرة واستهدافها بكل الوسائل كون هذه الحركة جزءا اصيلا مناضلا من ابناء شعبنا ،بل انها جزء اساسي في مكونات الصمود الفلسطيني .ولهذا تواصل السلطات الاسرائيلية استهدافها للاسرى ومنجزاتهم فارضة ظروفا حياتية قاسية في سجونها ومعتقالاتها بما في ذلك التصعيد ضد اسرى العزل .
 
قال الدكتور فهد ابو الحاج مدير عام مركز ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة في جامعة القدس ، بان اسرى ما قبل اوسلو قرروا بعد مداولات عديدة ونقاش مطول ،وابلاغ الجهات الرسمية والجماهيرية الفلسطينية ، خوض اضرابا مفتوحا عن الطعام ، رافعين شعار اطلاق سراحهم الفوري وغير المشروط من سجون الاحتلال ،كون ذلك يمثل حقا وفق اتفاق اوسلو طال انتظاره ، واستنزفت كل الطرق والخيارات الاخرى نتيجة المماطلة والتعنت الاسرائيلي .
 
واضاف بأن الاسرى قد اختاروا تاريخ الثالث عشر من الشهر الجاري ،وهو تاريخ توقيع اتفاق اوسلو في الثالث عشر من ايلول العام 1993 فيما بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية ، الامر الذي يعني تركيزهم على البعد السياسي لخطوتهم الاحتجاجية ، واصرارهم على ان يكون هذا الاضراب ذو طابع سياسيا بامتياز ،بما يتبع ذلك من احراج ليس فقط لدولة الاحتلال ،وانما ايضا لكل الجهات الدولية التي اسهمت بتوقيع اتفاق اوسلو ،وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية .
 
وعبر د. ابو الحاج عن قناعته بأن الخطوة التي عكف الاسرى على اتخاذها ستكون ناجحة جدا ،وستأتي اكلها وتحقق نتائجها بالافراج عن 112 اسيرا لا يزالون يقبعون بالسجون الاسرائيلية منذ ما قبل اوسلو ،وذلك يرجع لعدالة مطلبهم واحقيته السياسية ،كما يرجع ايضا لما يشكله هؤلاء الاسرى من ثقل سواءا داخل السجون او على الساحة النضالية الفلسطينية بشكل عام ،وايضا لما ستشكله خطوتهم من احراج لكل القوى التي لا تزال تنادي بالسلام والفرص الاقوية لانهاء الصراع .
 
وختم حديثه بتوجيه دعوة لكل ابناء شعبنا بضرورة مساندة اضراب الاسرى ،ومواكبة كل تحركاتهم ،كما طالب القيادة الفلسطينية باستثمار هذه الخطوة بتوجيهها رسائل الى كل الجهات الدولية بضرورة الافراج عنهم كون ذلك استحقاقا سياسيا لهم .
 
من جانب آخر انجز مركز ابو جهاد ،تقريرا خصه لحال الاسرى المعزولين بالفترة التي تلت صفقة التبادل والاضرابات اللاحقة له ،لا سيما التي جرى خلالها الاتفاق على اخراج المعزولين ،وانهاء هذا الملف ،ويكشف تقرير المركز بأن الحال لم يتغير بحق عدد من الاسرى ،بل ازداد سوءا نتيجة تراجع مصلحة السجون عن الاتفاق ،وبهذا الصدد فقد اطلق المركز حملة لكشف هذه الحقائق ،وفضح الممارسات الغير اخلاقية والمنافية للقوانين الدولية .
 
مدخل.
تِسببت سياسةُ العزّل التي تُمارسها مُديرية السجون الإسرائيلية العامة،بحق الأسرى الفلسطينيون منذ العام 1975م،وإزدادت توُحشاً وتعسفاً خلال الأعوام العشرة الأخيرة،في إندلاع المواجهةُ الحالية من الإضراب المفتوح عن الطعام داخل السجون،والتي أطلق عليها الأسرى (معركة وحدة الأحرّار) بالإضافة طبعاً الى عشرات الأسباب الأخرى والتي لا تقل قسُوةً عن عقوبة العزل،لكننا سنخصص هذا التقرير للحديث عن عُقوبة العزل على نحو حصري،وذلك في ضوء إمعان إسرائيل على أنتهاجها كواحدة من العقوبات المفضلة من قبل مديرية السجون العامة،وخلقت بهذا واقعاً مأساوياً لا يطاق،وأصبح الصبر عليه من قبل الأسرى خارج نطاق الإحتمال،ومن الجدير ذكره هُنا إنه كان يقبع حتى عشية بدء الإضراب المفتوح الأخير عن الطعام في يوم 17/4/2012م،تسعة عشر أسيراً معزولاً في زنازين وأقسام العزل داخل السجون الإسرائيلية،وكانوا موزعون على سجون،بئر السبع بجناحيه أيشل وأوهلي كيدار،وجلبوع،وعسقلان،والرملة،وشطة وكفار يونا.
 
ما هو العزل الإنفرادي 
هو إحتجاز الأسير منفرداً أو بصحبة أسيراً أخر في زنزانة معتمة وضيقة لا تزيد مساحتها عن 1.5×2.5 سم،وهي على أية حال زنازين قذرة ومتسخة،وتنبعث من جدرانا الرطوبة والعفونة على الدوام،وفيها حماماً أرضياً قديماً تخرج من فتحته الجرذان والقوارض،ولا تفصله عن باقي الزنزانة أية فواصل تذكر،ويوجد فيها نافذةً واحدة،هي أقرب ما تكون الى خرم في جدار منها الى شباك مخصص للتهوية،وهي مغطاة بلوح من الصاج السميك لمنع التسلل والهرب والهواء أيضاً،ومضاءة بمصباح كهربائي من الفلورسنت،ومن المقرر أن يمضي الأسير المعزول عاماً أو أثنان أو أحد عشر عاماً أو أكثر من عمره في هذا المكان،وستضاف الى هذه العقوبة الفظة عقوبات أخرى كحرمان الأسير المعزول من مقابلة باقي الأسرى،وقطع مياه الشرب والإستحمام عنه،وأحياناً يمنع من زيارة ذويه ومحاميه،أو إرسال وإستقبال رسائل ذويه،والحرمان من الكانتين،وأحيانا مصادرة مقتنياته وحاجياته من الكتب والأوراق والأجهزة الكهربائية،وحرمانه من الفورة،وفرّض عقوبات وغرامات مالية عليه،وضربه بالغاز المسيل للدموع والعصي،وإقتحام معزله وتقيديه الى السرير بواسطة القيود الحديدية.
 
ولعل غياب موعداً محدداً لنهاية هذه المحنة هو أصعب وأمر ما في عقوبة العزل،لأن الأسير في معزله يمضي كامل وقته بصحبة ساعة متوقفة عن الدوران وروزنامه لا تعد الأيام،وأياماً مُغلفة بالغموض والمجهول،ولا يعرض الأسير خلال فترة عقوبته على أية جهة قضائية عادلة للتظلم أمامها،لأن مصيره أصبح بيد المخابرات الإسرائيلية مُنذ اللحظة الأولى لدخوله زنزانة العزل،علماً إن قانون العزل الإسرائيلي المعد للسجناء الجنائيين،ألزم سلطات السجون بتحديد المدة الزمنية المقررة لعزل السجين،إلا أن سلطات السجون الإسرائيلية تتعمد عدم وضع سقف زمني لفترة عزل الأسرى الفلسطينيين،بهدف مضاعفة إنتاجية العقوبة،ويجدد هذا العزل من خلال قرارات المحاكم،وهي محاكم صُورية تعمل بإمرة جهاز المخابرات الإسرائيلي،حيث يعرض عليها الأسير دون إخباره بسبب عزله،والذي غالباً ما يكون بتوصية من جهاز المخابرات،ويُبلغ بالتمديد بسبب وجود مواد سرية في ملفه،لمدة عام جديد إذا كان العزل مزدوجاً ( أي شخصان في الزنزانة )، ولمدة 6 شهور إذا كان العزل إنفرادياً ( أي شخص واحد في الزنزانة ) و يمكث الأسير كامل الفترة الجدّيدة وهو يقاسي كُل أشكال المعاناة،ليصل مع نهاية الفترة السابقة إلي محكمة جديدة في العام الذي يليه،ويبلغ بقراراً جديداً من القاضي بالتمديد لعاماً آخر ولنفس الأسباب ( مادة سرية ) وهكذا لسنوات طويلة.
 
ومن الجدير ذكره هنا بأن القوانين والتشريعات الدولية حظرت على الدولة المُحتلة ممارسة أية عقوبات تحط من كرامة الأسرى،أو تسيء الى إنسانيتهم،وذلك وفقاً لنصوص إتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب،والمؤرخة في 12 آب 1949م،وكذا جاء في نصوص القانون الدولي الإنساني،وتشريعات حقوق الإنسان،وإتفاقية مناهضة التعذيب،والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
 
وإن مركز أبو جهاد بهذه المناسبة يطالب بإلزام إسرائيل بتنفيذ ما وعدت به الأسرى في نهاية إضراب نيسان/ 2012م،والتوقف عن إنفاذ عقوبة العزل داخل السجون الإسرائيلية بجميع أشكالها وأنواعها،وذلك نظراً للمخاطر الجسيمة التي تلحقها بالمعزولين جسدياً ونفسياً،ولأن عزل الأسرى وإبعادهم عن مُحيطهم الإجتماعي داخل الأسر،وعن عالمهم الخارجيّ يشكّلان مساً قاسيًا وفظاً بحقّوقهم المدنية كبشر،ويحولان فترة وجودهم في الأسر الى رحلة محفوفة بالموت والخطر،وخاصة أؤلئك الأسرى الذين مضى على وجودهم في العزل أكثر من عاماً واحداً.
 
وأن إسرائيل بهذه السياسة لا تخرق نُصوص المعاهدات والمواثيق الدولية التي تعاقدت مع المجتمع الدولي على إحترامها فقط ،بل أنها تواصل إدارة ظهرها على الدوام لمطالبات هذا المجتمع لها بالتوقف عن إنتهاج هذه السياسة بحق الأسرى الفلسطينيين،فقد سبق وأن دعت في العام 1990م،هيئة الأمم المتحدة من خلال مؤسساتها ذات الصلة بالموضوع كافة الدول الأعضاء،والموقعة على معاهدات ومواثيق الهيئة وفي مقدمتها ( معاهدة الأمم المتحدة بشأن الحقوق المدنية والسياسية ) الى المضي قدماً نحو إلغاء سياسة عزل السجناء،وتقليص العمل بهذه السياسة الى الحد الأدنى،وفي حزيران 2009 أنتقدت لجنة الأمم المتحدة ضد التعذيب،وبشدّة إستخدام إسرائيل المفرط لسياسة العزل المتواصل بحق الأسرى الفلسطينيين(1)،وأعتبرته عملاً وحشياً،وغير إنساني ومُهينًا ويشكّل إنتهاكاً واضحاً لنص البند الحادي عشر من معاهدة مناهضة التعذيب،والذي يُلزم الدول الموقعة عليها،وإسرائيل من بينها،بالإنصياع لنصوصها نصاً وحرفاً،ويشكل المسلك الإسرائيلي خرقاً أضافياً للبند السادس عشر من نفس المعاهدة،وهو الذي يلقي على عاتق الدولة واجب ضمان حظر التعذيب،وتقديم الرعاية الأمنة واللائقة للأسرى،وحظر المعاملة اللإنسانية والمعاقبة الوحشيّة لهم،سواءً خلال التحقيق أو ما بعد الحكم،وطالبت اللجنة بعدم إستخدام العزل من قبل إسرائيل إلا بعد فحص مُشدّد وعلى نطاق ضيق جداً ووفقًاً لمنظومة معاير الحدّ الأدنى لمعالجة حالة السّجناء الفلسطينيين،وذلك ضمن توصيات تلك اللجنة المقدّمة في حزيران 2009م،الى معالي أمين عام الأمم المتحدة بخصوص إسرائيل. 
 
ملاحقة إسرائيل بسبب جريمة العزل
وفي تلك المعازل التي تمتلك صفات القبور كان يعيش وما زال بعض الأسرى الفلسطينيون المعزولون فيها ظروف الدفن التام للكائن الحي، الذي ما زالت عروقه تنبض بالحياة،بكل ما يرافق ذلك من قهر وتعذيب،ويضاف إلى كل ذلك الضرب المبرح والإذلال المستمر الذي يتعرضون له على مدار يومهم،لقد أرتقى هذا الإجراء الإسرائيلي ليُصبح وصفةٌ نازيةٌ بإمتياز للتعذيب،والحط من كرامة الإنسان وهو على قيد الحياة،وفي تلك الزنازين مكث بعض الأسرى أكثر من أحد عشر عاماً،لغاية 30/نيسان/2012م، كالأسير محمود عيسى موسى،والأسير حسن عبد الرحمن سلامه،والأسير والأسير عبد الله البرغوثي،والأسير أحمد يوسف المغربي،والأسير جمال عبد السلام أبو الهيجا،أما الذين خرجوا من عزلهم فقد خرجوا مصابين بالعديد من المشكلات والأمراض الجسدية والنفسية،وبهذه المناسبة فأن مركز أبو جهاد يدعو إلى إطلاق أكبر حملة ملاحقة ومطالبة قانونية تحُمْل إسرائيل بمُوجبها المّسؤُولية القانونية والأخلاقية،الناتجة عّن سياسة العزل،والمُطالبة بتعويض كل من مسّه الضّرر النفسي والجسدي،من الأسرى الذين تم عزلهم منذ أن بدأ العمل بهذه السياسة داخل السجون،لتصبح سياسة العزل مُكلفةٌ وثقيلةٌ على دولة الإحتلال العسكري الإسرائيلي،ولكيلا تفكر إسرائيل بالعودة إليها من جديد،وقد أكدت سابقاً العديد من المنظمات الحقوقية والصحية عبر العالم،بإن العزل يترك أثاراً نفسيةٌ واضحة،ويصيب الأسرى بحالات من الجنون نتيجة عزلهم المستمر لفترات طويلة،حيث أن الإنسان بطبعه إجتماعي،ويحتاج للحديث مع غيره،فإذا تم حرّمانه بشكل قسّري من هذه الفطرة الطبيعية فأنه يتعرض للإصابة بأمراض نفسية خطيرة تؤثر على سير حياته بشكل طبيعي .
 
المخاطر والإنعكاسات الصحية المدمرة جراء سياسة العزل
لقد قطعت الأبحاث والدراسات العلمية العالمية،والإسرائيلية منها،الشك بالقين حول حقيقة إن عزل الإنسان لفترات طويلة أو قصيرة يؤدي الى وقوع ضرراً نفسيّاً خطيراً عليه،بدءً من إضطرابات النوم،والإكتئاب والخوف،والإضطرابات الذهنيّة،كهلوسات البصر والسمع،وحالات عقدة الخوف،وفقدان الوعي بالزمان والمكان،وحالات الإرتباك الحادّة والإضطرابات في التفكير،في حين أنّ المكوث في العزل صعب لمَن لا يعاني من أمراض نفسيّة مسبقاً،فإنّ العزل من شأنه أن لا يطاق لمن يعانون من أمراض مسبقة،ومن المرجح أن يتسبب العزل في إثارة وتحفيز مشاكل نفسية وعضوية كانت خاملة فتظهر خلال العزل وفي أعقابه.
 
وإن ظروف العزل تؤدّي إلى توتّر نفسي شديد القسوة،وقد تؤدّي أيضاً بمَن لا يعانون من إضطرابات نفسية سابقة أو يعيشون حالة متوازنة،إلى إخراجهم عن توازنهم وحدوث إضطراب جديدة لديهم،والذي يتجلى في عدة أعراض،والأسرى الذين يخضعون للعزل قد يعانون من الإصابة بمرض نفسي معين بشكل مضاعف عما هو لدى باقي الأسرى من غير المعزولين،حيث إن الإضطرابات الأكثر شيوعاًً هي صعوبات التأقلم والمتلازمات الإكتئابية،لكن الإضطرابات الإنفصامّة والذهنية الخطيرة ممكنة الحدوث أيضاً لدى السجناء القابعين في العزل وممن لم يُعانوا من أي مرض سابق. 
وضحايا هذه السياسة مُرشحون للمُعاناة من أمراض الجهاز الهضمي،ومشاكل لا حصّر لها في الأمعاء،وجهاز الأوعية الدموية،والنبض المتسارع للقلب والضغط والتعرق الشديد وضيق التنفس،وأمراض الجهاز التناسلي،والمسالك البولية،والرجفة الإبتدائية والزهايمر،والصداع النصفي وأوجاع أخرى في منطقة الرأس،وإضطرابات النوم والإرهاق العام،والإمساك في المعدة والقولون والتقيئوات والغازات وأوجاع عديدة في منطقة البطن،ومشاكل الكلى والطحال ومشاكل في العضو التناسلي،وحرقة في البول.
 
كيف تختار إسرائيل الأسرى المعزُولين 
مما لاشك فيه بأن دوافع إسرائيل في إختيار المعزولين هي دوافع إنتقامية صرفه،نظراً للدور البارز الذي لعبوه قبل إعتقالهم في مقاومة الإحتلال،وأثناء وجودهم في الأسر،لأن غالبية المعزولين يُعدوا من قادة الحركة الوطنية الأسيرة،ويحظون بإحترام وتقدير كافة الأسرى،حيث تسعى إسرائيل من وراء هذه السياسية لدفع هؤلاء المناضلين الى الندم،على ما قاموا به بسبب وجودهم في تلك المعازل،وإذلالهم وكسر إرادتهم وتحطيمهم،والتسبب بموتهم مستقبلاً ،بسبب الأمراض التي من الممكن أن تصيبهم،ومن الأهمية بمكان أن لا ننسى هنا بإن هذه السياسة كانت السبب المفجر للإضراب الشهير في نيسان 2012م، حيث كان في معازل السجون حينها تسعة عشر أسيراً موزعون على عدة سجون، وهم:-
 
الأسير حسن سلامه وعاهد أبو غلمه و أحمد سعدات ومحمود عيسى،معزولون في سجن رامون،والأسرى عباس السيد ومحمد عرمان وجمال أبو الهيجاء في عزل سجن جلبوع،والأسرى عبد الله البرغوثي و أحمد المغربي ومحمود العارضه ورزق الرجوب وصابر أبو ذياب في عزل سجن إيشل،والأسرى إبراهيم حامد وباجس نخله و رائد أبو ظاهر وضرار السيسي في عزل سجن عسقلان،والأسيران وليد خالد ومنذر الجعبه في عزل سجن هشارون،الى ذلك فأن هذا التقرير سيلقي مزيداً من الضوء على حالة كل أسير من الأسرى المعزولين،علماً أن ترتيب الشروحات عنهم هنا جاء وفقاً لأقدمية عزلهم.
أولاً- الأسير محمود عيسى،محكوم ثلاث مؤبدات،ومضى على وجوده في العزل (14) سنوات.
 
وهو من مواليد 21/8/1965م،ومن سكان بلدة عناتا قضاء القدس،إعتقل بتاريخ 3/6/1993م،ومحكوم بالسجن المؤبد ثلاث مرات و 46 عاماً أضافية،عُزل أول مرة في العام 1993م لمدة شهر كامل،وفي العام 1996م لمدة سنة وشهرين،وفي العام 1997م لمدة سنة ونصف،وفي العام 1999 لمدة سنة وشهر،وإدخل الى العزل الحالي في يوم 26/10/2002م،وما زال فيه لغاية الآن،وهو بهذا يعتبر أقدم الاسرى المعزولين،وقد قابل والدته قبل ست سنوات،وبعد تدخل المحاكم الإسرائيلية،التي سمحت لها بالزيارة بسبب مرضها،بعد ان كانت ممنوعة من ذلك لأسباب أمنية،ويجدد قرار العزل للأسير محمود منذ ذاك التاريخ بشكل منتظم.
 
وأبلغ الأسير محمود عيسى كافة المحامين الذين زاروه في السجن 2010م، " أنه ومنذ صدور قرار عزله في العام 2002،فأن إدارات السجون التي تواجد تحت ولايتها تحتجزه داخل زنازين مساحتها لا تزيد عن (1.5×2م) وبالكاد تدخلها أشعة الشمس إن استطاعت،ورطوبتها عالية جداً لدرجة أن الملح يذوب فيها،وعندما يدخل زنزانة العزل الجديدة فيجدها مليئة بالقاذورات وبداخلها سرير مثبت بالأرض وعليه فرشة بالية تنبعث منها رائحة كريهة جداً،وهذا يتطلب تنظيف الزنزانة أكثر من مرة يومياً بمواد تنظيف يشتريها على حسابه الشخصي من الكانتين،ليستطيع التغلب على تلك الرائحة،وما أن يفرغ من تنظيف زنزانته والتأقلم معها حتى يتم نقله الى قسم عزل آخر أو زنزانة أخرى،والعودة الى البداية ذاتها مع التنظيف والتأقلم " .
ويضيف عيسى على هذا " أن المعزول لا يمكث في قسم العزل أو زنزانته أكثر من 6 شهور،وأحيانا اقل من ذلك،ليتم نقله من قسم الى أخر ومن زنزانة الى أخرى،ومصحوباً هذا النقل بذات الإجراءات الظالمة في كل مرة،وهكذا دواليك تمر السنين على الأسير في معزله الإنفرادي،ويتابع عيسى حديثة واصفاً عزل أيلون " بأنه أقسى وأصعب بكثير من باقي أقسام العزل،لأن خيوط الشمس لا تصل الى زنازينه،ومن يعزل في أيلون فأنه يكون قد عزل في الظل المقيم والعتمة المُوحشة،مُستذكرا ما نشرته سابقاً جريدة ( يديعوت أحرنوت ) والتي أفادت بأن احد كبار شخصيات المافيا الإسرائيليين المعتقلين على وشك الجنون في عزل أيلون المغلق،على الرغم من ان المعزولين اليهود يتلقون معاملة أفضل بكثير من معاملة المعزولين الفلسطينيين،من حيث زيارات الأهل والخروج للفورة أكثر من مرة،ويسمح لهم بالزيارات الداخلية والتحدث عبر الهاتف،ومتوفرة لهم كل متطلبات الحياة والتسلية،وقد اضرب الاسير عيسى عن الطعام أكثر من مرة مطالبا بنقله من قسم عزل أيلون الى أي قسم أخر أو الى أي زنزانة أخرى أفضل من التي يعيش فيها، وبعد سنة ونصف من المطالبة تم نقله الى غرفة كان يتواجد فيها يغال عمير قاتل رابين،وبعد شهر نقل الى عزل جلبوع ثم أعيد الى عزل أيلون والان هو موجود في عزل سجن ريمون.
عقوبات أخرى.
 
ويقول عيسى أيضاً "بأن الأسرى المعزولين محرومين من التعليم وإكمال دراستهم الجامعية،وأنه هو شخصياً تقدم بإلتماس بهذا الصدد قبل سنتين ونصف ورفض طلبه،وتقدم بالتماس آخر جديد بهذا الخصوص وهو بانتظار الرد على أمل الموافقة،كما أنه يوجد نقص في الكتب والمجلات،وهو مشترك في صحيفة ( يديعوت أحرنوت ) وطالب بإدخال صحيفة (هآرتس) وبعض الكتب ولم يبلغ بالرد من قبل إدارة السجن حتى تاريخ الزيارة،وهو الأن في عزل سجن ريمون".
 
ثانياً- الأسير حسن سلامة، محكوم بـ 48 مؤبداً،وعشرون عاماً، ومضى على وجوده في العزل (12) عاماً.
 
وهو من مواليد التاسع من آب عام 1971،ومن سكان مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة،وتميز منذ طفولته بحبه للوطن والنضال في سبيل الله وفلسطين،وإعتقل أكثرَ من مرة إثر ذلك،واعتقلَ أيضاً في العام 1988 لستة أشهر في سجن النقب،وتبعها بعدَ عام بستة أشهر إدارية أخرى في ذات السجن،وفي عام 1990 اعتقل لستة شهور جديدة،وتبعتها ستة أخُريات،ولحقتها كذلك ستة إعتقالات في العام 1992،وجميعها إعتقالات إدارية،خرجَ من فلسطين عام 1992 خشية إلقاء القبض عليه لأنه كانَ مطارداً ومطلوباً لـ إسرائيل، وتنقلَ بين عدد من الدول العربية 
 
في السابع عشر من مايو عام 1996 نصب جيش الإحتلال الإسرائيلي له حاجزاً عسكرياً مفاجئاً في مدينة الخليل،وتمكن من محاصرة السيارة التي يستقلها وأطلقت عليه الرصاص وإصابته،إلا أنه نجحَ بالفرار، ونُقل إلى (مستشفى عالية) في مدينة الخليل،وبعدَ وقت قصير حاصرَ الجيش الإسرائيلي المستشفى واختطفَ سلامة منه واعتقله، وحكمَ عليه بـ 48 مؤبدًا وعشرين عامًا.
 
ثالثاً- الأسير عبدالله غالب عبد الله البرغوثي،محكوم بـ 67 مؤبداً وله في العزل (9) سنوات.
وهو من مواليد العام 1972م،في دولة الكويت،وفي الغربة تعلم عبد الله حب الوطن والديار التي مازال يسمع عنها القصص والروايات من ذويه،وهكذا نما وكبر معه حب الوطن،ولهذا السبب استقرت في وجدانه وفؤاده فكرة العودة الى فلسطين،وكان يخطط دوماً رغم صغر سنه للعودة أليها،فقبيل رحيله وعائلته عائداً إلى الأردن في أعقاب حرب الخليج،استطاع تفريغ طاقاته النضالية المبكرة ضد القوات الأمريكية التي أتت إلى الكويت عام 1990،مما حدا بالسلطات الكويتية لإعتقاله وتعذيبه في سجونها لمدة جاوزت الشهر.
 
وبمجرد خروجه عادت أسرته إلى الأردن ليكرس وقته في حينها لإنهاء الثانوية العامة،وبالفعل حصل على معدل مرتفع وقرر على إثرها السفر إلى كوريا حيث بدأ عام 1991 بدراسة الأدب الكوري بعد إتقانه للغة الكورية،ومن ثم بدأ دراسة الهندسة الإلكترونية،وهذا حلمه القديم،دون أن يستطيع إنهاءها،وقرر العودة مرة أخرى إلى الأردن وعندها بدأ بالعمل كمهندس صيانة في إحدى الشركات،واستطاع في العام 1998م الحصول على عقد عمل مع إحدى الشركات الفلسطينية في القدس،وبذلك أصبح يقترب أكثر فأكثر من العودة للوطن.
 
أعتبرته المخابرات الإسرائيلية وفقاً للائحة الاتهام المسهبة،والموجهة ضده،والمكونة من 109 بنود،أخطر فدائي عرفته إسرائيل،و وجهت له تهمة التخطيط لعملية الجامعة العبرية،ومقهى (مومنت)، والنادي الليلي في مستعمرة (ريشون لتسيون) قرب تل أبيب،كما وجهت إليه تهمة المسؤولية عن إدخال عبوات ناسفة إلى شركة غاز في مدينة القدس،والمسؤولية عن إدخال عبوات ناسفة من خلال سيارة مفخخة إلى محطة الغاز وتكرير البترول قرب تل أبيب وهي المعروفة باسم ( بي جليلوت ).
 
الإعتقال الوحشي .
بعد أكثر من خمسة عشر شهراً من الملاحقة،تمكن جيش الإحتلال الإسرائيلي من إعتقال عبد الله،بدون أن يتأكد في البداية من هويته،وذلك في الخامس من آذار 2003،حيث كان يخرج من إحدى مستشفيات رام الله،وكان بصحبته ابنته الكبرى تالا ( 3.5 سنوات ) في حينها،وهناك تم الانقضاض عليه من قبل القوات الإسرائيلية الخاصة التي طرحته أرضاً وكبلت كلتا يداه بالقيود،بينما لم يأبه الجنود بأمر الطفلة التي تركوها في الشارع تبكي فراق والدها،وسلمت الشرطة الفلسطينية لاحقاً الطفلة تالا لأمها .
 
خمسة أشهر من التحقيق
وبعد إعتقاله تم تحويله مباشرة إلى معتقل تحقيق المسكوبية في القدس،وعلى الفور بدأ التحقيق معه،إلا إنه لم يدلي بأية إعترافات،على الرغم من أن المحققون أستخدموا معه أكثر من أسلوب تحقيقي،كالتحقيق المتواصل على مدار الـ 24 ساعة،وذلك لفترة زادت عن 13 يوماً،بدون أن يمنح دقيقة واحدة للنوم،بالإضافة إلى الشبح المتواصل على كرسي صغيرة،والضرب والتهديدات بإعتقال الزوجة وخطف الأولاد، وهدم المنزل،وهنا يمكننا القول بأن الإنتهاكات والتجاوزات غير القانونية بدأت مع عبد الله البرغوثي منذ اللحظة الأولى لإعتقاله،وأثناء التحقيق،الذي أنتهى بالعزل،على الرغم من أن أقصى مدة تحقيق مسموح بها وفقاً للقانون الإسرائيلي لا تتجاوز التسعين يوما،إلا أن التحقيق المتواصل مع التعذيب أستمر مع عبد الله البرغوثي لأكثر من خمسة أشهر،حيث اعتقل في آذار 2003م وخرج من التحقيق في نهاية شهر آب من نفس العام.
 
العزل
بعد إنتهاء التحقيق مع عبد الله تم تحويله مباشرة إلى عزل ( أوهلي كيدار) بدون المرور على غرف وأقسام الأسرى،حيث خضع هناك لبرنامج محكم من التضييق النفسي والجسدي،وألقي به في ذات الزنزانة التي كان يقبع بها قاتل رابين( يغال عامير)،وفي الحادي والثلاثين من تشرين ثاني 2003،عقدت المحكمة العسكرية الإسرائيلية جلسة عاجلة نطقت فيها بالحكم النهائي ضده،وكان 67 مؤبداً.
وقامت إدارة السجن قامت بتجديد عزله في يوم 2/5/2012م، لستة أشهر إضافية،ويقول الأسير البرغوثي " لم أتمكن من الصلاة الجماعة منذ عشر سنوات،ولم أتحدث مع أحد من أهلي،وأنا أطهو طعامي لوحدي،وأكله لوحدي حتى في شهر رمضان الكريم،والرسائل التي ترسلها عائلتي لي مع الصليب الأحمر منذ سنوات لم تصلني بعد ".
رغم ذلك فأن البرغوثي يتمتع بمعنويات عالية وحديدية تماماً،بعد مرور خمسة عشر يوماً على بدءه للإضراب عن الطعام،وهو الآن في عزل سجن أيلون الرملة.
 

شارك المقال عبر:

نشر أ.د.موسى أبو طير بحثاً علمياً في الفيزياء الحيوية
الأسيرة المحررة سماح خليل عبد الله تروي صفحات مشرقة من التجربة الإعتقالية

آخر الأخبار

ربما يعجبك أيضا

القائمة

Al-Quds University