التظلم الوافي إلى وزارة التربية والتعليم العالي

alt

 

إن من نافلة القول بأن وزارة التربية والتعليم من أهم الوزارات في دول العالم كافة، إذ هي المستنبت الخصب للعقول والقدرات، وهي المصنع الذي تتشكل فيه الكفاءات والمواهب، كما أنها المصدر والمنتج الأهم في مجال الإبداع والتطوير. ومن محطتها تنطلق قطارات تطور المجتمعات والشعوب. فهي الباني للإنسان فهماً ووعياً وروحاً وتربية، وهي التي تعمل على تشكل المواطن صلاحاً وقدرات وعطاء. إذ المجتمعات لن تتقدم ولن تعرف سبل التطور والتنمية المستدامة بعيداً عن المعرفة وأساليب البحث العلمي. لن يعرف مجتمع أين يضع قدمه في سلم الحضارات وبناء المدنيات إذا كان يعيش حياة الجهل والتخلف. وإلا كيف تطورت أوروبا والغرب بشكل عام؟ بم أصبح الغرب سيد العالم أو سيداً من ساداته الأول؟ كيف نهضت اليابان وما طرائق تقدمها الكبير وتطورها المذهل؟

وكذلك الشأن مع كل دولة ناهضة ورائدة في البناء والتنمية. ولهذا أول ما نزل من السماء في آخر رسالة سماوية إلى لأرض هي كلمة ولفظة "إقرأ" وذلك قبل أن ينزل أي شيء من أحكام الإسلام وتعاليم الشرع الحنيف.

ومما لا شك ولا ريب أن وزارة التربية والتعليم العالي في بلدنا فلسطين قد نهضت وتطورت تطوراً كبيراً في ظلال سلطتنا الوطنية الفلسطينية، إذ لا تألو السلطة الوطنية جهداً في سبيل النهوض بالوطن بشكل عام والتربية والتعليم بشكل خاص، لما تعلمه من أهمية هذا القطاع وضرورة الاعتناء بهذا الجسم العظيم في محتواه والعظيم في رسالته الجليلة والخطيرة. ونحن لا ولن ننكر جهود هذه الوزارة في سبيل الارتقاء بأبنائنا الطلبة وفلذات أكباد مجتمعنا المناضل الصابر. فهي العين الساهرة والقلب النابض بإخلاص رسالتها ووضع أقدام فلذات الأكباد على جادة البناء والتكوين الصالح للبنات المستقبل ورواد الغد والجيل المنظور. ومما لا شك فيه أيضاً أن قطاع التربية والتعليم العالي من أكبر القطاعات في وطننا الحبيب. وبالتالي فهي جامعة لأعباء جسام ومهام كبار وأمانة جسيمة وجد خطيرة. فلا يسعنا في هذا المقام إلا أن نزجي كبير شكرنا وعظيم تقديرنا لهذا الجسم العظيم في وطننا ونبارك له خطواته الجليلة في سبيل السهر لارتقاء هذا القطاع الهام من قطاعات مجتمعنا. سيما وأننا نمر عبر مراحل دقيقة وجليلة، وتمر قضيتنا عبر مخاضات فيها الخطورة والوعورة والمجازفة. وكيف إذا لم نغفل ظروف شعبنا في المنافي والشتات، وما عليه المشتتون من أبناء شعبنا هنا وهناك. فمما لا ريب ولا شك أننا جميعاً كشعب فلسطيني وعلى رأسنا القيادة الفلسطينية نتحمل عبئاً وحملاً تنوء به الجبال الراسيات، وترزح وتئن تحته القوى العظمى والكبرى. فكيف بنا ونحن لا حول لنا ولا قوة سوى الإيمان والصبر والحق الأبلج الذي نحمله ونقارع به القاصي والداني ممن يقف في وجهنا ووجه قضيتنا العادلة والمقدسة وحق تقرير مصيرنا في إقامة دولتنا وعاصمتها القدس الشريف؟

ومن خلال ما نرى من نتاج لدى سلطتنا ومؤسساتنا المتنوعة والمتعددة، واستعداد كبير لتحمل عبء دولة ننتظر قيامها وولادتها بفارغ من الصبر، يحدونا في الوقت ذاته الأمل الكبير والثقة العالية بنصر الله لنا أولاً ثم بجهودنا كشعب وجهود المسئولين فينا ليل نهار. وها هي المعايير الدولية تشهد لأدائنا ونجاحنا على خير وجه، رغم الصعوبات والسنين العجاف والأنفاق المظلمة التي نمر فيها وعبرها. ولدينا الجاهزية لإقامة دولة وتحمل مسئولية وأعباء هذه الدولة المنتظرة والتي نسعى إليها بكل ما أوتينا من قوة ليل نهار.

وهنا لا بد من أن نسجل ونسطر كلمة حروفها من ذهب للأخ الرئيس محمود عباس رجل الحكمة والدبلوماسية والمهارة الدولية والأبوة الحانية على أبناء شعبه بكل أطيافه وأشكاله. حيث يقود المرحلة الحالية الحرجة بكل اقتدار وعزم وتصميم وإخلاص وحنكة، فله ولجهوده كل التقدير والثناء الخالص من كل شعبه. وكلنا طموح أن ينجح هذا الأب والمسئول الإنسان والحكيم نافذ البصيرة في لم شتات شعبنا وتوحيد صفوفنا وتحقيق المصالحة الوطنية والتي بها نقوى ويشتد عودنا ويصلب متننا. حيث خطى فيها الخطوات الهامة واستطاع أن يصل مع الإخوة الفضلاء في حركة حماس إلى توقيع هذه المصالحة في قاهرة المعز حماها الله وأعزها وحرس شعب مصر وأبناءها الطيبين الرائعين المحبين لشعبنا حتى النخاع.

وأنا قد قدمت قبل أيام قلائل من دولة مصر الشقيقة، فهم من خيرة شعوب الأرض ومن أكثرها محبة وولاء وإخلاصاً لشعبنا وقضيته العادلة.

في خضم هذه الأقوال نعود إلى القول في ضرورة بناء مؤسساتنا الوطنية عبر منهجية علمية سليمة وخطى سليمة ودقيقة واستراتيجيات مدروسة وحكيمة، مع ضرورة توفر الإخلاص والتجرد من الذات والمصلحة الخاصة وإيلاء المصلحة العامة كل الولاء والبراء. الولاء لكل ما ينهض بها والبراء من كل ما يضعفها أو يكون سبيلاً وسبباً في إضعافها وترهلها.

وعبر هذا السياق أود أن أضع ليس مظلمتي -وأنا لا أتحدث عن نفسي مطلقاً- بل بمظلمة أبناء شعبي بين يدى وزارتنا الموقرة والمخلصة وزارة التربية والتعليم العالي. إذ ما أكثر وأعظم من يتحدث معي في ذلك ويطلب مني أن أكتب حول هذا الموضوع عبر مقالي الأسبوعي في هذه الصحيفة الغراء واسعة الانتشار. وتتمثل هذه المظلمة والمقلقة جداً لأبناء شعبنا من الخريجين والخريجات وذويهم. ممن سهروا الليالي وأنفقوا الغالي، وحرموا أنفسهم من الكثير حتى يحوز أحدهم على الشهادة الجامعية الأولى في مرحلة البكالوريوس، وينال بعدها وظيفة عله يستطيع من خلالها أن يشق طريق حياته نحو العطاء والبناء والنجاح له ولأسرته التي عانت الأمرين حتى رأته بشهادة تؤهله أن يعين من خلالها نفسه وذويه. ونحن لا نحمل وزارة التربية والتعليم العالي كل المسئولية في مجال استيعاب الخريجين والخريجات فهذا من البدهي لأسباب متعددة وكثيرة يعرفها الناس جميعاً.

غير أن اعتراض أبناء شعبنا من ذكور وإناث واعتراض أسرهم على النظام التعيس المتبع لدى هذه الوزارة الموقرة في مجال التعيينات، إذ تتبع نظاماً أشبه ما يكون بحكم قراقوش وهذا النظام المتبع كله ظلم لهذه الأفواج من قطاع الخريجين والخريجات. إذ لا يكفي لدى وزارتنا الموقرة شهادة الخريج المصدقة والمعتمدة من الجامعة، لا بل تخضعهم لامتحان تلوا امتحان وفي كل سنة وعلى رأس كل عام دراسي. ورغم أن هذه مشكلة ومعضلة ولا يصح أن يتبع مثل هذا الأسلوب في التعيين، إلا أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، لا بل من الممكن أن يكون رقم خريج عام 2005م الثاني في سلم التعيينات حتى يجد نفسه بعد عام آخر يحمل رقم 10 في هذا السلم. فلماذا لا يكون التعيين في مجال المتقدمين لوزارة التربية تحديداً وفق نظام عادل وحسب الأولوية من حيث تاريخ وسنة التخرج؟ والجميع ينتظر دوره بعدالة في هذا السلم. فلو كان الأمر على هذه الشاكلة كما هو الحال في كل أو معظم دول العالم لا أحد يشتكي ولا أحد يغضب، إذ الجميع يتفهم أن الدور المنتظم هو النظام العادل وينتظر حينئذ الخريج أو الخريجة حتى يأتي عليه الدور، فمن لم يحالفه الحظ في هذا العام يكون على أمل في العام الذي يليه أو بعد ذلك. بحيث يكون مطمئناً أن الدور سيأتي عليه بعد فترة قد تقصر وقد تطول، لكن لا أحد يأخذ مكانه ودوره. وهذه قمة العدالة. أما أن يكون الخريج ذكراً كان أم أنثى يحمل الرقم الثاني أو الثالث في سلم التعيينات ثم يجد نفسه بعد سنة يحمل الرقم عشرة أو الخامس عشر ثم يقال له: لا تعيينات في هذا العام. وهناك عشرون ألف متقدم ونحن سنأخذ منهم ألفين فقط. فإذا ما سمع هذه الحقيقة ثم جمع إلى ذلك طريقة وأسلوب التعيين لدى الوزارة الموقرة فسيصاب بجلطة هو أو ولي أمره أو الوالدة في البيت، أو بالتأكيد سيصاب الجميع بالإحباط حينئذ ويلعنون اليوم الذي التحق فيه الإبن أو الإبنة بالجامعة، بل وقد يلعنون التعليم والمتعلمين لأن فرصة العمر كلها قد ضاعت هباء منثورا، وخسر هؤلاء الخريجون حياتهم بقضها وقضيضها وسيندمون على اليوم الذي لم يخرجوا فيه من المدرسة حتى يلتحقوا في طوابير الجهلة وشقوا طريق حياتهم بالعمل بغض النظر عن طبيعة هذا العمل.

هل هذا ممكن في مجتمع يحترم العلم ويقدره كل التقدير، ونسبة الأمية فيه من أخفض النسب لدى الشعوب؟ هل هذا منطق سليم تجاه العلم وحملته؟. أية سياسة نتبعها حيال أبنائنا وبناتنا وحيال مجتمعنا بوجه عام؟ لم تذهب حياة أمثال هؤلاء أدراج الرياح أو أسرهم فحسب، بل ذهب أيضاً المال الكبير الذي صرف عليهم وتذليل الجهود المبذولة في هذا السبيل أدراج الرياح. هذا مقتل للنفس والروح والمجتمع. هذا من أعظم وأسباب عوامل الإحباط لدى الناس. وهذه من أفظع أساليب المحاربة للعلم والمتعلمين. هذه السياسة سياسة تجهيل بامتياز –كما يقال- وذلك من نتائجها وآثارها المستقبلية على الفرد وأسرته وبالتالي على المجتمع بوجه عام.

ما تصنعه وزارتنا الموقرة غير مقبول بحال. فهو تدمير للبنى التحتية فرادى وجماعات، اقتصاداً وتربية.

ومما يؤسف له أن بعض الحجج التي تطرح في هذا السبيل لا يصح أن تسمع ولا قيمة لها أبداً حين النقاش والحوار وطرح الحجج التي تؤدي بوزارتنا تجاه هذا الطريق والنظام من التعيين. ولا مجال هنا لذكرها عبر مقال قصير يريد أن يأتي على الفكرة وحسب.

ومن أراد بسط الحجج والمحاجة، فلا مانع من ذلك، ، ولربما نفتح لها صفحات أخر.

لكن الذي نرجوه كل الرجاء من المسئولين الكرام الفضلاء والمخلصين في هذه الوزارة التي تعمل ليل نهار لمصلحة أبنائنا ومجتمعنا أن تجد هذه المظلمة من يحملها ويعمل على إزالتها وإزالة آثارها. والرجوع دائما إلى الحق فضيلة. وما الذي يمنع أن يراجع الفرد أو المسئول أو المؤسسة سياسته وخططه وبرامجه بين الفينة والفينة فيأخذ دائماً بأحسنها وأفضلها وأقلها مشكلة وشكاية.

د. حمزة ذيب مصطفى

جامعة القدس

 

© Al-Quds University All rights reserved. Powered by SKITCE.