دور المفكرين والمثقفين الفلسطينيين

بقلم: د.خضر أبو عليا
محاضر في جامعة القدس
نظرا للدور الهام والاساسي للمفكرين و المثقفين الفلسطينيين ، فإن عليهم التمعن بروية وحكمة بشأن دورهم في المجتمع، فهم بحاجة للتحلي بروح المسؤولية لدى قيامهم بواجبهم في قيادة الشعب الى الثورة على سلبيات الماضي وأيديولوجياته ، خاصة وانه يقع على عاتق المثقف التزام تجاه مجتمعه، حيث ان عليه قيادة عملية تنويره وتحريره من بعض طرق التفكير القديمة.كما ان للمثقفين والتربويين دور هام في تطوير عقلية الشعب الفلسطيني وانماط تفكيره، ومن واجبهم التضحية رغم صعوبة المهمة.
يحتاج المثقفون الى تحرير انفسهم من الماضي سواء فيما يتعلق ببعض طرق التفكير التقليدي او الخطاب القديم او الجوانب السلبية لبعض المعتقدات خاصة وانه يناط بهم الإشراف على الجيل الجديد ، الذي سيبتكر ويشكل تدريجيا ، في المحصلة النهائية ، الثقافة الجديدة . وهو الجيل الذي يجب ان يكون متميزا عن آبائه وأجداده الذين ظلوا اسرى الفلسفة السياسية والمعتقدات التقليدية التي اقتادتهم على مدى اجيال طويلة متعاقبة.
بعبارات اخرى، يجب ان يكون هذا الجيل قادرا على شق الطريق الجديد لتأسيس الخطاب الحديث ، فقد حان الوقت لوقف الاكتفاء بالتفاخر بتاريخ وأمجاد العرب الماضية، والبدء بتأسيس ثقافة فلسطينية جديدة، تمتاز بصفاتها الخاصة والمستقلة عن قيود أدبيات الرؤى السياسية العصبية وغير الواقعية.
كما ان على المثقفين الفلسطينيين المطالبة بـ"إعلان ثقافي" ابداعي اكثر استقلالية وتميزا وقادر على مواكبة التغيرات الهائلة التي نعيشها في عالم اليوم والتأثير فيها ليترك بصماته الواضحة في الفكر العالمي الحديث .بل ان على هؤلاء المثقفين المبادرة الى وضع هذا الاعلان الذي يفترض ان يكون بمستوى الاعلانات الثورية التي صدرت على مدى القرون الثلاثة الماضية في اكثر من بقعة من عالمنا ، ولا نبالغ اذا ما قلنا انها اسهمت في وضع البشرية امام فرص واعدة وعالم اكثر ازدهارا وعدالة وانفتاحا.
يجب على المفكرين والمثقفين الفلسطينيين صياغة تاريخهم الخاص وتشكيل ثقافتهم المتميزة، وإنني اؤمن بقدرتهم على القيام بهذه المهمة ، ولكنني اعتقد انهم فقط بحاجة الى تحرير انفسهم من التبعية ، وعليهم تعزيز روح احترام الذات والثقة بقدرتهم على الابداع بدل التقليد.كما يجب ان يبتعد العقل الفلسطيني عن مظاهر الكسل والتبعية والاعتماد على العقل الغربي بدلا من ابتكار فلسفته الخاصة ، وهي حقيقة مؤلمة ومؤسفة في آن واحد.
وحتى اكون صريحا ومباشرا تماما، فأنني أعارض كليا المثقفين الذين يقلدون المفكرين الآخرين بدلا من أن يبتكروا ويشكلوا ثقافتهم المميزة . فالمفكر الجيد هو الذي يبادر الى التغيير بالنظريات الجديدة التي تعتمد أساسا على نهج وتوجهات ثورية في التفكير. فالاهم هو الدور المناط به والنهج الذي يتبعه أثناء عمله وسط مجتمعه. وعليه ان لا يكون مجرد نسخة مقلدة او مرددا لمقولاتهم ، ومستخدما نفس برامجهم وآلياتهم ، فعلى عاتق المثقف مسؤولية الاختيار بين ان يكون تابعا أو قائدا يوجه شعبه لعبور الطريق الصحيح.
ولا اشك في ان هناك الكثير من المثقفين ممن يفضلون سلوك الطريق الصحيح رافضين ان يكونوا مجرد أداة يستخدمها المتنفذون او مجرد قوالب جامدة مقلدة لنهج او فكر لا ينتمي الى ما يستحقه مجتمعنا من اصالة وتميز وهوية لها خصوصيتها.
***
الكتب هي الأفضل ، لكن هل تستخدم تلك الكتب بشكل صحيح أم يساء استخدامها؟ فالكتب هي أدوات الإلهام والتنوير للعقل. لكن هذه القضية مرتبطة بالروح الحيوية النشطة التي قد تستفيد من تلك الكتب وتحول ما جرى تعلمه واستخلاصه منها الى طريقة متطورة جديدة من التفكير. وبالمقابل فإن عدم القيام بذلك، يعني بقاء المثقف يراوح مكانه ، بل ربما يغط في الماضي او يتقهقر الى ما دون ذلك بدلا من المضي قدما الى الأمام.
هناك طريقة صحيحة للقراءة، حيث يتعين استخدام الكتاب كأداة يستفاد منها وعندها يحظى القارىء بالقدرة على استخدام قيمته بشكل ملائم وسط أبناء مجتمعه. وبعبارات اخرى، يجدر بالمثقف عدم إغفال الماضي نهائيا، لكن في نفس الوقت عليه أن لا يبقى اسيرا له طوال حياته. ويمكن للمثقف الإبقاء على حكمة الماضي حيثما يستطيع مساعدة ابناء شعبه، من خلال مشاركتهم بقيمه وأفضل أفكاره. وهذا ما يجب ان يكون عليه إلتزامه وواجبه الجوهري
يتميز المثقف عن بقية ابناء شعبه من خلال تبصره وكونه مستقلا في تفكيره وحكمه. ولهذافهو الاقدر على اكتشاف الأفكار العالمية التي يبدعها الفكر الانساني . كما يتميز المثقف بقدرته على التواصل مع كافة الطبقات والاجيال على اختلافها من ابناء شعبه مما يتيح له مجالا رحبا لاستشراف الخصوصية واستنباط الافكار الأكثر انسجاما مع الرغبة في التغيير المنشود ، كما يتيح له القدرة على التأثير وجعل هذا التواصل رافعة حقيقية نحو بلورة وتشكيل الافكار القادرة على الاسهام في وضع الاعلان الثقافي الابداعي المطلوب.
اعتقد ان مجتمعنا الفلسطيني عليه انتهاج آلية النمو التطوري النوعي في تغيير انماط التفكير والخطاب بدل ألية التنمية التقليدية طويلة المدى التي تظل اسيرة الماضي وتسعى الى ادخال تحسينات طفيفة عليه .وعلى سبيل المثال فإن المجتمع الفلسطيني بحاجة ماسة ليس فقط الى التأقلم مع مفهوم النقد الذاتي بل وان يصبح هذا المفهوم جزءا لا يتجزأ من الآداء على مختلف الأصعدة مع كل ما يترتب على ذلك من تحطيم للأوثان القديمة المنزرعة في عمق تفكير الكثيرين ممن يرون انهم بمنأى عن الخطأ والنقد والمحاسبة ومما يجنبنا الكثير من المظاهر الخادعة كاحتكار المعرفة والزعامة وينقلنا الى واقع جديد نتعلم فيه من اخطائنا ونستخلص دوما الدروس والعبر اللازمة . ومع ان الكثيرين قد يختلفون مع هذه الفلسفة ، حيث ينظر البعض الى النقد الذاتي "كفلسفة دونية" فإنني ارى بأن النقد الذاتي يشكل مفهوما صالحا وهاما من اجل تطوير أية حضارة ، فعندما لا يكون الشخص راضيا عن نفسه وآدائه يكون قد وضع قدمه على بداية الطريق في البحث الذاتي عن أفضل البدائل، وهي المرحلة الانتقالية في قرع أبواب الحرية كافراد وكمجتمع.
وأخيرا، ومن حيث الجوهر ، فان الاعتماد على الذات هو في الحقيقة ما يحتاج اليه المثقف الذي يجب ان يتحلى بالشجاعة والاستقلالية والأصالة وروح الإبتكار والابداع. وعلى كل مثقف فلسطيني العمل على ابتكار ما هو مفيد وأن يكون فاعلا من خلال الشروع بالعمل الذي كان يفترض ان يبدأ منذ وقت طويل.
يحتاج المثقفون الفلسطينيون الى رسم خطاهم بوضوح في تشكيل وتطوير خطابهم الخاص لدى التعامل مع قضاياهم المصيرية على غرار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي او شكل وطبيعة المجتمع المستقبلي الذي نريده لابنائنا واجيالنا القادمة .كما يجدر بالمثقف الفلسطيني عدم الركون الى الماضي مع أنه يجب عدم إغفاله كليا.فنحن بحاجة الى تعلم دروس الماضي الجيدة لأهميتها القيمية بالنسبة للحاضر والمستقبل تماما كما نحتاج الى دراسة اخفاقاتنا المتتالية كمقدمة لاستثمار الجهود والطاقات لتحقيق الانجازات التي نريد.
ان استمرار مظاهر الكسل الفكري وتقليد الآخرين دون الالتفات الى الخصوصية وعدم الطموح نحو الابداع والتميز سيشكل بالتأكيد ليس مجرد مسلك خاطئ بل وصفة كارثية لتكريس مظاهر التراجع والتخلف الفكري مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات مأساوية .، وقد ينتهي الأمر بهؤلاء الذين يصرون على الاستمرار بالنهج القديم بأن يكرسوا انفسهم كببغاوات مقلدة وليس كمثقفين مبدعين لهم دور هام في التغيير وتقع على عاتقهم مسؤولية القيام بواجبهم والتزاماتهم مع ان المهمة قد تكون صعبة وشاقة بالتأكيد. ولهذا يمكن فقط للمثقفين الشجعان المضي قدما متطلعين للأمام وليس الى الوراء.
وفي الختام، فإن هذا السجال غير موجه لجميع مثقفي فلسطين وانما للذين يجرؤون فقط!!






