جامعة القدس صرح علمي شامخ

 

alt

 

جامعة القدس صرح علمي شامخ مهد سبيله في الجبال الوعرة

ونشر ظلاله على الربوع المختلفة

 

جاء على لسان العرب: فلان يغرف من بحر وفلان ينحت من صخر.

وشتان بين من يغرف من البحر بكل سلاسة ويسر، ويجمع ما يشاء من الماء أو الخير دون جهد، أو عناء، أو شدة وبين من ينحت في الصخر، أو يشق طريقاً وسبيلاً بكل مشقة وعناء وبلاء في المواقع الشديدة الصلابة، وكم يحتاج هذا من وقت حتى يتسنى له ذلك! وما المجهود العظيم المبذول في هذا السبيل؟ وما هي البنية القوية اللازمة لأجل تتميم هذا العمل الضخم والمنجز الصعب العسر؟

هذا تماماً هو مثل جامعة القدس الفتية في عمرها والعملاقة في منجزاتها وما صنعته عبر سنيها العجاف وأيامها القاسية الشديدة من كل جانب هذا تماماً مثل جامعة القدس ذات عمر الزهور بعمل يعجز عنه من عمر العقود أو القرن.

ليس غريباً على الدول أو الأفراد الأثرياء أن يصنعوا أنفسهم وذواتهم، وليس غريباً على من ولد وفي فمه ملعقة من ذهب أن يشق طريق حياته بيسر وسهولة وليس صعباً على من ملك المال والإستقرار أن يحقق ما يصبو إليه ويطمح ويهدف له.

لكن الغرابة والصعوبة من يعمل المعجزات ويحقق الطموحات ويصل إلى ذروة وقمة السيادة والتمكين وهو لايملك شيئاً يمهد له من ذلك ويوطئه.

هنا تكمن العظمة وتكمن الهامات العالية الشامخة، وهنا تكمن الإرادات الصلبة والإدارات الحكيمة. ومما لاشك أن ذلك مئنة على التفكير السديد والنضج الغزير، والفكر النير، والنظر البعيد الحاد.

ويحضرني هنا ما قاله الفاروق عليه الرضوان: لا يعرف الإسلام إلا من عرف الجاهلية. والأشياء إنما تبان وتعرف بضدها. وكما قالت العرب. تتميز الأشياء بضدها. فمن ذاق مرارة الألم عرف قيمة الصحة، ومن أصابه الظمأ الحاد عرف قيمة الماء العذب، ومن عضه الجوع بنابه عرف قيمة الشبع، ومن أصابته وأحاطت به الظلمة عرف قيمة وقدر النور والإنارة، وهكذا ...

ونود أن نقول هنا: إن من عرف جامعة القدس قبل عام خمس وتسعين وتسعمائة وألف (1995م) عرف حجم التطور، والتقدم المذهل، والإنجازات العملاقة والضخمة التي اكتستها هذه الجامعة بعد ذاك التاريخ في يومنا هذا. من لم يعرف تاريخ الجامعة من المحال أن يصدق أن كل هذه المنجزات التي هي محل فخار للجميع أنها تحققت في غضون عقد ونصف العقد.

من لم يحط بما كانت عليه جامعة القدس لغاية سنة 1995م من الحجم البسيط والضآلة في العدد والبنيان والبرامج والكليات والمعاهد لا تتسنى له القناعة أبداً أن هذا العدد الصخم من المنسوبين لهذه الجامعة من طلبة ومدرسين وإداريين وخدمات، أو العدد الكبير في الكليات العلمية والأكاديمية، وبرامج الدراسات العليا المختلفة والمتنوعة والمعاهد العلمية، قد تم في غضون خمسة عشر عاماً فقط.

كما أن التميز الذي غدت عليه وبه جامعة القدس في ظلال هذه الفترة القصيرة جداً في عمر الجامعات والصروح العلمية لدلالة ومؤشر واضح على تميز إدارة هذه الجامعة، وأن هذه الإدارة تتحلى بما لا تتحلى به الكثير من الإدارات أو الكفاءات الإدارية. فلا يسعنا إلا أن نقول لهذه الإدارة الناجمة بأنها قد وقفت كل التوفيق فيما صنعته وأنجزته، وعليها أن تمضي قدماً في شق طريقها على بركة الله وبتوفيق منه سبحانه.

وعلينا جميعاً أن نضع أيدينا في يد هذه الإدارة، وأن ننقف إلى جانبها وندعمها بكل ما أوتينا من قوة. لأن نجاح جامعة القدس وقوة جامعة القدس نجاح لقضية القدس وقوة لعروبة وإسلامية هذه المدينة المهددة بسياسات التهويد والمحتلة من قبل ذلك وبعده. إن أية إنجازات على ثرى هذه المدينة هو نهج قويم وسبيل عريض من سبل المحافظة على هذا الثرى الطهور والذود عن هذا الحوض المقدس. إن من أعظم سبل تخليص القدس من الإحتلال ومن أعظم سبل المحافظة على عروبتها وإسلاميتها إنما هو بتحقيق منجزات ومؤسسات عربية وإسلامية على أرضها وفي جنباتها.

ألا وإن الذي صنعته هذه الجامعة في التاسع من رمضان المبارك من العام الهجري الحالي اثنين وثلاثين وأربعمائة وألف الموافق  التاسع من شهر آب لأحد عشر وألفين للميلاد على ثرى الأردن الشقيق من منحها للملك عبد الله الثاني ملك المملكة الأردنية الهاشمية شهادة الدكتوراة الفخرية لهو في سجل حسناتها وعظائمها، حيث جسدت التواصل الأخوي والجغرافي والتعاون الكبير ما بين الأشقاء في البلد الواحد فلسطين والأردن، وجذرت جسور العلاقة ما بين الضفتين.

لقد كان هذا الحدث على ثرى الأردن الشقيق كبير الشأن وترك الآثار الإيجابية الكبيرة والكثيرة في الموقعين. فأنعم بها من خطوة وحظوة للجامعة وللملك الشاب على حد سواء. وهكذا يجب أن تكون العلاقة على الدوام علاقة اللحمة الشديدة، والتعاون المشترك، والمعاضدة والوقفة في الخندق الواحد على قلب رجل واحد.

لقد رمز هذا الحدث إلى صميم العلاقة الحميمة عبر تاريخ طويل، تاريخ الهاشميين مع الأمة، وتاريخ القدس عبر الحضارة الدينية منذ بناء المسجد الأقصى في الأحقاب التاريخية الأولى ولغاية تجسيد هذه القداسة على لسان رسول الله صلوات الله عليه وإلى آخر لحظة نحن فيها مع القدس لا تطرف عين من سنة أو غفلة عن هذا الموقع الأثيل المبارك.

مما لا شك ولا ريب أن الهاشميين على مدار تاريخ الأمة ومنذ فجر الإسلام قد دفعوا ثمناً باهظاً لقاء عزة وكرامة وشرف أمتهم. وحملوا الأمانة بكل أثقالها وأحمالها بإخلاص وصدق وشجاعة، ولهم بإذن الله مكان فسيح تحت لواء وفي ظلال الحمد، بل لهم اللواء كله في يوم تشخص فيه الأبصار وتضع كل ذات حمل حملها. كان هذا الحدث من جامعة القدس عرفاناً بما صنعه الهاشميون ولا زالوا يصنعونه تجاه القدس الشريف دفاعاً عنها وذوداً عن حياضها ووقوفاً في الخندق الأول لصد كل عدوان تجاهها وتجاه ثراها الطهور.

لقد ابتليت القدس –كما أمتنا- في هذا الزمن بالمحن التترى، والمشكلات الكبرى والمصائب الجليلة. وقد دفع شعبنا الفلسطيني ثمناًً باهظاً لقاء ذلك. وضحى بأغلى ما يملك من فلذات الأكباد ومستقبل الذات والأبناء. وكان هذا على حساب الحياة لأبناء شعبنا الصابر المرابط. نحن من سويداء أفئدتنا نقدم جزيل الشكر وعظيم الإمتنان لهذه اللفتة الفريدة والموقف الأشم من جامعتنا الأبية. وكل جامعتنا فرائد ومواقف. إننا معشر الشعب الفلسطيني نذود بالصدور العارية والبطون الخاوية والأيدي المفرغة من كل سلاح سوى سلاح الإيمان والصبر والحق والإرادة الصلبة، نذود بكل ما أوتينا من قوة عن هذا الثرى المقدس حيث القدر الحميد قد ساقنا إلى ذلك ووضعنا وجهاً لوجه أمام هذا الواجب النبيل "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". فنحن راضون بقضاء الله وقدره ونحمده سبحانه على السراء والضراء، ونحتسب في كل ما نقدم ونبذل رخيصاً في سبيل الله إيثاراً للدار الآخرة ولنعم دار المتقين.

ومن المحال في هذا المقام أن ننسى دول الجوار من الأشقاء الذين بذلوا الغالي والنفيس وتكبدوا الحروب والويلات من أجل فلسطين وقضيتها العادلة كمصر والأردن ولبنان وسوريا وغيرهم من الأشقاء العرب الذين ساهموا بكل جهد مستطاع ودعموا قضيتنا مالياً وسياسياً ودولياً لا نستثني منهم أحداً، ونخص بالذكر دول الخليج على رأسهم المملكة العربية السعودية. كما نقدم شكرنا لكل الأصدقاء الذين وقفوا إلى جانبنا ودعموا قضيتنا ولا زالوا يقفون في الخندق ذاته.

إن ما قدمته جامعة القدس للملك الشاب ما هو إلا جزء يسير من واجب محتم في أعناقنا تجاه الأردن الشقيق ومليكه وحكوماته المتعاقبة وشعبه الوفي الأبي. وهذا دلالة على وفاء شعبنا أيضاً تجاه من يقف إلى جانبه وتجاه من يقف معه في إحنه ومحنه. سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعيننا على رد الجميل لأهله وذويه. مقدرين لكل زعيم أو قائد أو دولة أو فرد أسدى إلينا يداً ومعروفاً، ونرجوا الله تبارك وتعالى أن يكون ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة ويجزيهم في الدنيا خير جزاء.

وبحق فقد استقبل وفد الجامعة من قبل دولة الأردن الشقيق استقبالاً يليق به وبرسالته وبالمهمة التي قدم الأردن من أجلها. وكان حفلاً بهيجاً ضم لفيفاً من الأعيان والوزراء ورؤساء الجامعات الأردنية وسماحة قاضي قضاة الأردن. وشخصيات فلسطينية ومقدسية لها احترامها وتقديرها. كان بحق يوماً مشهوداً طابت نفوسنا معه وطاب مقامنا على ذاك الثرى العزيز. تجود جامعتنا على قلة إمكاناتها وتحاول جاهدة أن تقف في ميادين وخنادق الوفاء، وهذا جزء من رسالتها الجليلة ومهامها التي تضطلع بها والأمانة الثقيلة الملقاة على عاتقها.

إن جامعة القدس تربض في الخندق الأول من خنادق الدفاع عن القدس الشريف وبالتالي وبهذه المناسبة فإننا نهيب بالوقوف إلى جانب هذه الجامعة، ومد يد العون والدعم الكبير لها سيما الجانب المالي لأنه هو العمود الفقري للجامعات ومؤسسات البحث العلمي. خصوصاً وأن جامعة القدس تمر عبر أزمات ومحن إقتصادية شديدة لدرجة أن مسيرتها الأكاديمية تمر ما بين الفينة والأخرى عبر وسائل تهددها وتهدد من مضيها قدماً في أداء رسالتها وأمانتها الجليلة والنبيلة.

 

د. حمزة ذيب مصطفى

عضو المجلس التنفيذي لاتحاد جامعات

العالم الإسلامي – الرباط

24 رمضان/ 1432هـ -

 وفق م24/8/2011 

© Al-Quds University All rights reserved. Powered by SKITCE.